الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
112
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والمراد بفرعون فرعون الذي أرسل إليه موسى عليه السلام وهو ( منفطاح الثاني ) . وإنما أسند الخطء إليه لأن موسى أرسل إليه ليطلق بني إسرائيل من العبودية قال تعالى : اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى [ النازعات : 17 ] فهو المؤاخذ بهذا العصيان وتبعه القبط امتثالا لأمره وكذبوا موسى وأعرضوا عن دعوته . وشمل قوله : وَمَنْ قَبْلَهُ أمما كثيرة منها قوم نوح وقوم إبراهيم . وقرأ الجمهور وَمَنْ قَبْلَهُ بفتح القاف وسكون الباء . وقرأ أبو عمرو والكسائي ويعقوب بكسر القاف وفتح الباء ، أي ومن كان من جهته ، أي قومه وأتباعه . و الْمُؤْتَفِكاتُ : قرى لوط الثلاث ، وأريد بالمؤتفكات سكانها وهم قوم لوط وخصوا بالذكر لشهرة جريمتهم ولكونهم كانوا مشهورين عند العرب إذ كانت قراهم في طريقهم إلى الشام ، قال تعالى : وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ [ الصافات : 137 ، 138 ] وقال : وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَ فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها [ الفرقان : 40 ] . ووصفت قرى قوم لوط ب الْمُؤْتَفِكاتُ جمع مؤتفكة اسم فاعل ائتفك مطاوع أفكه ، إذا قلبه ، فهي المنقلبات ، أي قلبها قالب ، أي خسف بها قال تعالى : جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها [ هود : 82 ] . والخاطئة : إمّا مصدر بوزن فاعلة وهاؤه هاء المرة الواحدة فلما استعمل مصدرا قطع النظر عن المرة ، كما تقدم في قوله : الْحَاقَّةُ [ الحاقة : 1 ] فهو مصدر خطئ ، إذا أذنب . والذنب : الخطء بكسر الخاء ، وإما اسم فاعل خطئ وتأنيثه بتأويل : الفعلة ذات الخطء فهاؤه هاء تأنيث . والتعريف فيه تعريف الجنس على كلا الوجهين ، فالمعنى : جاء كل منهم بالذنب المستحق للعقاب . وفرع عنه تفصيل ذنبهم المعبر عنه بالخاطئة فقال فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ وهذا التفريع للتفصيل نظير التفريع في قوله : كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ [ القمر : 9 ] في أنه تفريع بيان على المبيّن . وضمير ( عصوا ) يجوز أن يرجع إلى فِرْعَوْنُ باعتباره رأس قومه ، فالضمير عائد إليه وإلى قومه ، والقرينة ظاهرة على قراءة الجمهور ، وإما على قراءة أبي عمرو والكسائي فالأمر أظهر وعلى هذا الاعتبار في محل ضمير ( عصوا ) يكون المراد ب رَسُولَ رَبِّهِمْ